الشيخ السبحاني

85

رسائل ومقالات

الغريبة ، فيظهر لمن تأمّل مصنوعات اللَّه تعالى ومخلوقاته وخصوصاً في من نظر في تشريح بدن الإنسان ، وهو [ يرى ] أنّ كلّ جزءٍ من أجزائه له قوّة تجذب إليه الغذاء ، إذ الغذاء يصل إلى جميع البدن ، فخلق اللَّه تعالى في كلّ جزء من أجزائه قوة تجذب إليه فضلًا من الغذاء ، وهي القوة الجاذبة . وقوّة تمسك الغذاء ، لأنّ الغذاء لزج وذلك الموضع لزج فيزلق عنه ولا يحصل التغذي ، فيؤدي ذلك إلى ضرر وفساد فاقتضت حكمة اللَّه تعالى أن يخلق هناك قوة تمسك الغذاء وهي الماسكة . وقوة تهضم الغذاء ، أي تجعله مناسباً لطبيعة ذلك الجزء ، إذ الغذاء منه ما يصير لحماً ، ومنه ما يصير عظماً ، ومنه ما يصير دماً ، ومنه ما يصير جلداً ، فاقتضت حكمة اللَّه تعالى أن يخلق هناك قوّة تفعل ما ذكرناه ، وهي الهاضمة . وقوة تدفع الفضل ، إذ الغذاء الّذي تأتي به القوة الجاذبة لا يصير كلّه جزءاً من ذلك ، بل بعضه والباقي يصير فضلًا ، فاقتضت حكمة الباري أن يخلق هناك قوة تدفع الفضل لئلّا يبقى ويؤدّي إلى فساد ذلك الجزء ، وهي القوة الدافعة ، وهذا هو معنى الإحكام والإتقان الّذي ذكرناه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : « وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » . « 1 » وأمّا بيان المقدّمة الثانية أعني قوله : وكلّ من كان كذلك . . . . أي وكلّ من فعل الأفعال المتقنة المحكمة كان عالماً ، فبديهية ، لأنّ العلم باستلزام ذلك الفاعل ضروري ، إذ الجاهل لا يصدر عنه فعل المحكم المتقن . فالمقدمة الأُولى حسيّة والثانية بديهية ، والمقدّمتان ضروريتان ، إذ الحسيّات من أقسام الضروريات ، فيكون عالماً بالضرورة ، وهو المطلوب .

--> ( 1 ) . الذاريات : 21 .